أحمد بن علي الرازي

106

شرح بدء الأمالي

وعندنا الإرادة مطابقة للعلم « 1 » ، فكل ما علم الله في الأزل أنه يوجد فقد أراد وجوده خيرا كان أو شرا ، وما علم أنه لا يوجد فقد أراد أن لا يوجد ، وما علم من فرعون الكفر لا الإيمان أراد منه الكفر وكذلك سائر العصاة الكفرة ، واحتججنا بقوله تعالى : فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ قلنا : هذه الآية وعيد من الله تعالى ، ليست على سبيل تفويض الفعل ، ألا ترى أنه قال : إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها [ الكهف : 29 ] . يدل قوله تعالى : كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ [ المدثر : 54 ] ، أي عظة . فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ وَما يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [ المدثر : 55 ، 56 ] . وقالتا : إن معصية العاصي ، وكفر الكافر ليس بمشيئة الله تعالى وإرادته وتقديره ، ولأنه لو كان يقدر الله الفعل ويخلقه فلم يعذبه على فعل نفسه ، ولو أراد معصية العاصي وكفر الكافر ثم عذبه عليهم كان ذا جورا منه . وعن هذا يسموننا أهل الجور وسموا أنفسهم أهل العدل ، قلنا : الثواب والعقاب على استعمال الفعل المخلق لا على أصل الخلق هذا من سخافتكم [ 53 ] ، وجرأتكم على الله تعالى ، وقلة عقلكم ، وعدم فهمكم حيث غلّبتم إرادة المخلوق على إرادة الخالق ، وحاشى أن تغلب إرادة الله تعالى ، بل إرادته غالبة ، ومشيئته نافذة ، ولا يكون إلا

--> ( 1 ) وتفصيل ذلك أن الإرادة مطابقة للعلم فكل ما علم الله في الأزل أنه يوجد فقد أراد وجوده خيرا كان أو شرا فأمر بالخير وهو الإيمان وتوابعه ونهى عن الشر وهو الكفر وتوابعه وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وهو سبحانه هدى عباده إلى السبيل وجعل لهم مشيئة لا تخرج عن مشيئته ، وإرادة لا تخرج عن إرادته قال تعالى : وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا ولما لم يرد فرعون الإيمان لم يخرج بذلك عن إرادة الله الغالبة وعلمه . ولما أراد عمر بن الخطاب رضي الله عنه الإيمان لم يدخل إلا فيما أراده الله وعلمه منه . قال شيخ الإسلام ابن تيمية : الإرادة في كتاب الله نوعان ؛ إرادة تتعلق بالأمر ، وإرادة تتعلق بالخلق ، فإرادته المتعلقة بالأمر أن يريد من العبد فعل ما أمره ، وأما إرادة الخلق فأن يريد ما يفعله هو ، فإرادة الأمر هي المتضمنة للمحبة والرضا وهي الإرادة الدينية ، والإرادة المتعلقة بالخلق هي المشيئة وهي الإرادة الكونية ، فالكفر والفسوق والعصيان ليس مرادا للرب بالاعتبار الأول ، والطاعة موافقة لتلك الإرادة وموافقة للأمر المستلزم لتلك الإرادة ، فأما موافقة مجرد النوع الثاني فلا يكون به مطيعا ا . ه . انظر : الأسئلة والأجوبة الأصولية على العقيدة الواسطية ص 126 .